ابن كثير
6
البداية والنهاية
لتصل الرحم وتقري الضيف ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ( 1 ) ، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة . وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب . وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت له خديجة : يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما أري . فقال له ورقة : هذا الناموس ( 2 ) الذي كان ينزل على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ( 3 ) ، ليتني أكون حيا ، إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو مخرجي هم ؟ " فقال : نعم . لم يأت رجل ( 4 ) بمثل ما جئت به إلا عودي . وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي ( 5 ) فترة . حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه . فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك . قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له : مثل ذلك . هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري . قال ابن شهاب ( 6 ) : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه : " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض . فرعبت منه . فرجعت فقلت : زملوني ، زملوني فأنزل الله : ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر ، والرجز فاهجر ) [ سورة المدثر : 1 ] فحمي الوحي وتتابع " ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف ، وأبو صالح ، يعني عن الليث ، وتابعه هلال بن رداد ( 7 ) عن الزهري . وقال يونس ومعمر : بوادره ( 8 ) . وهذا الحديث قد رواه الامام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع
--> ( 1 ) نوائب : جمع نائبة وهي الحادثة خيرا أو شرا وإنما قال نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل . ( 2 ) الناموس : صاحب السر ، وهو ما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء ، يقال : نمست السر : كتمته ، والمراد هنا جبريل عليه السلام - لان الله خصه بالغيب والوحي . ( 3 ) جذعا : قال ابن حجر في فتح الباري : الجذع : هو الصغير من البهائم : كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الاسلام شابا ليكون أمكن لنصره . ( 4 ) من صحيح البخاري ، وفي الأصول أحد . ( 5 ) هنا تنتهي رواية الصحيح . ( 6 ) تتمة حديث البخاري المتقدم . ( 7 ) من البخاري ، وفي الأصول ونسخ البداية المطبوعة داود وهو تحريف . وهو هلال بن رداد الطائي ، أو الكناني الشامي الكاتب مقبول من السابعة . ( تقريب التهذيب ) 2 / 130 / 323 . ( 8 ) أي ترجف بوادره بدل رواية يرجف فؤاده . والبوادر جمع بادرة وهي ما بين العنق والمنكب .